Tuesday July 07th, 2026
يُعد هذا من أوائل الأسئلة التي تطرحها مجالس الإدارة عند تكليف جهة مستقلة بإجراء تقييم لأدائها: هل نعتمد استبيانًا مجهول الهوية، أم نجري مقابلات فردية سرية مع أعضاء المجلس؟
والإجابة الصريحة هي أن السؤال بحد ذاته ليس دقيقًا تمامًا؛ فالاستبيانات والمقابلات ليستا منهجين متنافسين، بل أداتان تقيسان جوانب مختلفة من أداء المجلس. والسؤال الأهم هو: ما الذي يحتاج مجلس الإدارة إلى معرفته هذا العام؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد المنهجية المناسبة، وليس العكس.
وانطلاقًا من خبرتنا في تنفيذ تقييمات مجالس الإدارة باستخدام كلتا المنهجيتين، وغالبًا من خلال الدمج بينهما، فإننا في معهد حوكمة ننظر إلى الأمر على النحو التالي:
أولًا: ما الذي تتميز به الاستبيانات؟
يمثل الاستبيان المجهول الهوية، عندما يكون مصممًا وفق منهجية علمية، الأداة الأساسية لتقييم مجالس الإدارة، وذلك لعدة أسباب.
.1 الهيكلية وإمكانية المقارنة
يضمن الاستبيان المبني على مجموعة أسئلة مجربة أن يجيب جميع أعضاء المجلس عن الأسئلة نفسها وبمقياس تقييم موحد، مما يجعل النتائج قابلة للمقارنة بين أعضاء المجلس، وبين لجانه المختلفة، والأهم من ذلك بين سنوات التقييم المتعاقبة.
وعند تكرار الاستبيان سنويًا، تتحول النتائج من مجرد صورة لحظة زمنية إلى مؤشرات تعكس الاتجاهات مع مرور الوقت؛ فهل تحسن أداء المجلس في الإشراف على الاستراتيجية؟ وهل أسهمت الإجراءات التصحيحية التي اتُخذت في العام الماضي في تحقيق نتائج أفضل؟
.2 مشاركة كاملة ومتساوية
يجيب جميع أعضاء المجلس عن جميع الأسئلة، مما يضمن أن يكون لرأي العضو الهادئ أو الأقل حديثًا الوزن نفسه الذي يحظى به رأي العضو الأكثر حضورًا في النقاشات، وهو أمر يصعب تحقيقه داخل اجتماعات المجلس أو حتى أثناء المقابلات التي قد تقيدها محدودية الوقت.
.3الكفاءة والانضباط
يستغرق إكمال الاستبيان عبر منصة إلكترونية متخصصة أقل من ساعة لكل عضو، مع توفير قاعدة بيانات كمية متكاملة يمكن تحليلها بسهولة. وبالنسبة للمجالس التي تعتمد تقييمًا سنويًا منتظمًا، فإن هذه الكفاءة، إلى جانب التكلفة المعقولة، تجعل الاستبيانات خيارًا عمليًا وفعالًا.
.4 تشجيع الصراحة... ولكن ضمن حدود
تساعد السرية بالفعل على تشجيع الأعضاء على التعبير عن آرائهم بصدق؛ فقد يمنح أحد الأعضاء تقييمًا منخفضًا في الاستبيان بينما قد يكتفي في الحوار المباشر بالقول إن الأمور "جيدة".
ومع ذلك، تبقى لهذه السرية حدود، خاصة في المجالس الصغيرة، إذ قد يكون من السهل استنتاج صاحب بعض الآراء المميزة، كما تميل التعليقات المكتوبة إلى استخدام لغة دبلوماسية عندما تتعلق بالقضايا الأكثر حساسية.
ثانيًا: ما الذي تتميز به المقابلات الفردية؟
تقيس المقابلات السرية الفردية جوانب لا تستطيع الاستبيانات، بطبيعتها، الوصول إليها.
.1 تفسير الأسباب وراء النتائج
قد يكشف الاستبيان أن نصف أعضاء المجلس يرون أن جودة النقاشات داخل المجلس ضعيفة، لكنه لا يوضح سبب ذلك.
أما المقابلات فتوضح ما إذا كان السبب يعود إلى هيمنة أحد الأعضاء على الحوار، أو إنهاء رئيس المجلس للنقاشات مبكرًا، أو إلى وصول أوراق الاجتماعات متأخرة بما لا يتيح للأعضاء دراستها وإبداء آرائهم؟
هنا تأتي قيمة المقابلات؛ إذ تحول المؤشرات العامة إلى أسباب واضحة يمكن معالجتها.
.2 الوصول إلى ما لا يُكتب
من واقع خبرتنا، فإن أهم النتائج وأكثرها تأثيرًا في تقييم المجلس نادرًا ما تظهر في التعليقات المكتوبة داخل الاستبيانات.
بل تظهر غالبًا بعد مضي عشرين دقيقة من حوار سري مع مقيّم مستقل، حين يبدأ الأعضاء في الحديث بصراحة عن قضايا مثل:
فهذه أمور قد يتحدث عنها الأعضاء شفهيًا، لكنهم غالبًا لا يدونونها كتابة.
.3 العمق وإمكانية الاستيضاح
يمتلك المقيم المتمرس القدرة على طرح أسئلة متابعة، واختبار الفرضيات، وربط المعلومات الواردة من مختلف الأعضاء.
وعندما يصف ثلاثة أعضاء الاجتماع نفسه بثلاث روايات مختلفة، فإن هذا التباين يصبح في حد ذاته نتيجة مهمة، بينما قد يختزل الاستبيان تلك الاختلافات في متوسط رقمي لا يعكس الصورة الكاملة.
ومع ذلك، فإن للمقابلات تحدياتها؛ فهي تستغرق وقتًا أكبر من جميع الأطراف، وتعتمد بدرجة كبيرة على خبرة المقيم واستقلاليته، كما أن نتائجها النوعية تكون أقل قابلية للمقارنة وقياس الاتجاهات عبر السنوات.
الاختيار بينهما... خيار غير حقيقي
تكمن المشكلة في طرح السؤال بصيغة "الاستبيانات أم المقابلات"، لأن قوة كل منهما تظهر عند استخدامهما معًا، حيث يعوض كل منهما ما يعجز الآخر عن قياسه.
فالاستبيان يرسم الصورة العامة؛ فهو يقدم بيانات كمية شاملة وقابلة للمقارنة، ويحدد المجالات التي تستحق مزيدًا من البحث.
أما المقابلات فتتعمق في تلك المجالات لتفسير النتائج وفهم أسبابها.
وفي التطبيق العملي، غالبًا ما تُبنى أسئلة المقابلات استنادًا إلى نتائج الاستبيان، مثل:
فالاعتماد على الاستبيان وحده قد يوفر مؤشرات دون تفسيرها، بينما قد تؤدي المقابلات وحدها إلى استخلاص انطباعات مهمة دون معرفة مدى انتشارها بين أعضاء المجلس.
أما الجمع بين المنهجيتين، فيجعل كل نتيجة مدعومة بالأرقام ومفسرة بالأدلة.
أي منهجية ينبغي أن يختارها مجلس الإدارة؟
يمكن الاسترشاد بالقاعدة العملية التالية:
الاستبيان فقط يناسب المجالس التي تتمتع باستقرار في عضويتها، ولا تواجه تحديات أو توترات معروفة، وتلتزم بإجراء تقييم سنوي منتظم بهدف متابعة التقدم مقارنة بالسنوات السابقة.
الاستبيان مع المقابلات يصبح الخيار الأنسب عندما تكون هناك نتائج تحتاج إلى تفسير، أو عند تعيين رئيس جديد للمجلس أو انضمام أعضاء جدد، أو عندما تمر الشركة بمرحلة تحول مهمة، أو إذا كشف التقييم السابق عن قضايا لم تُفهم بصورة كافية. كما يعد الخيار الطبيعي عند إجراء أول تقييم مستقل للمجلس.
الاستبيان والمقابلات إلى جانب ملاحظة اجتماعات المجلس يمثل المستوى الأكثر عمقًا، ويكون مناسبًا عندما يكون السلوك الفعلي للمجلس هو محور التقييم، بحيث يتمكن المجلس من رؤية كيفية أدائه في الواقع، وليس فقط كما يصفه أعضاؤه.
الهدف الحقيقي من تقييم مجلس الإدارة
في نهاية المطاف، ينبغي أن تتذكر مجالس الإدارة أن الهدف من عملية التقييم ليس إعداد تقرير فحسب، وإنما تحسين أداء المجلس وتعزيز فعاليته.
وسواء جاءت الرؤى من خلال استبيان، أو مقابلات فردية، أو من خلال الجمع بينهما، فإن الوسيلة تظل أقل أهمية من النتيجة المنشودة.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل مجلس إدارة ليس:
"أي منهجية ينبغي أن نستخدم؟"
بل:
"أي منهجية ستوفر لنا الرؤى التي نحتاج إليها لنصبح مجلس إدارة أكثر فعالية وتميزًا؟"